الجمعة، 17 يونيو 2011


    جليد
................                                             قصة قصيرة ... محسن الطوخى        
                                                                          ..........................


     يربت ظهرها بحنو . تضغط بأسنانها حتى تدمى شفتيها . تود لو تزيح كفه بعيدا , لكنها لاتفعل . تظل راقدة مسلوبة الروح .
- استريحى وسوف نعاود المحاولة .                                                  
تتشمم نبرات صوته . عميقا حانيا . لا أثر لتبرم أو ادانة . كابوس واحد مقطوع بلحظات افاقة . كابوس مستمر بطول عمرها كله . مقدور لها أن يحملها الى القبر . لم يعد ثمة معنى لثوراتها الطفولية النزقة . لو تستطيع أن تكسر شوكة عنادها . خانتها شجاعتها فعجزت عن الاتيان بحركة . مجرد حركة بسيطة فى الفراش . لو تستطيع تلك اليد الميتة أن تتسلل اليه , تتناول السيجارة التى أشعلها , تدسها فى المطفئة , تضمه اليها وتنظر فى عينيه , تبادله نظرة فهم وعرفان
....................

     أدركت أن البيت يستعد لحدث ما . الهمس المتبادل بين الأب والأم , وظهور أم باتعة تفوح من ثيابها رائحة الشيح . ثم نظرات أمها المبهمة اليها , كأنها تقيسها بالأشبار . استسلمت لأنامل النساء من الأقارب والجيران تداعب قمة رأسها , وتلامس صفحة وجهها , وتربت ظهرها . كأنهن اكتشفنها بينهن فجأة . غمرها احساس بحضور جديد . انطلقت تضحك من قلبها , وتلهو , دون أن تعنى بتقصى الأسباب .

....................

      توقفت كفه واستراحت فوق ظهرها . صورة الزفاف معلقة فى صدر الحائط المواجه . لا يظهر منها فى الضوء الوردى الباهت الا تكويناتها الرئيسية , لكنها تراها بوضوح , وتعرف معنى تلك النظرة فى عينيه . الفوز , واللهفة , والترقب . والنظرة فى عينيها مطمئنة , ممزوجة بكبرياء وثقة . ثم أتت سريعا الليالى الكئيبة الموحشة . لم تفلت منه أبدا كلمة تخدش مشاعرها أو تغفل أنوثتها . لكن كل ما كان يتخلق فى قاع عينيه عميقا ساكنا , كانت قادرة على فك شفرته . مرات عديدة هبت ثائرة كنمرة , وأساءت اليه .
- أنت عديم الهمة .. العيب فيك .
يضمها الى صدره فتستكين وتجهش بالبكاء . ثم بكثير من الصبر يدلك فروة رأسها حتى تهدأ , وتتبدد الغيوم .

....................

     محاصرة فى ركن الغرفة . زغرودة تشق طريقها منطلقة من حلق أمها بين ضجيج النسوة , وصخب العيال . ( أم باتعة ) تشمر عن ساعديها . ترفع الأساور الفضية تخنق بها ساعدها اللحيم , فتكف عن الصلصلة . ظلت تبحلق طول الوقت فى الأساور المغروسة فى لحم الساعد كأفاع لن تلابث أن تنتفض . يكاد قلبها يسقط فى قدميها , لولا الفرحة التى تطل من العيون , وزغاريد الأم . و ( أم باتعة ) كالغول , ملأت حيز الرؤية . لم تعد تر الا رداءها الأسود يصبغ كل المرئيات .

...................

     استيقظت أصابعه , فعادت تتلمس طريقها صعودا فوق فقرات الظهر . حلقات الدخان من بقايا اللفافة تصنع شريطا , سرعان مايتبدد فى فضاء الغرفة . لازال رونقها كأنها عروس الأمس . وهو نفس الرجل الذى أحبت . يثور لذرة ملح زائدة فى الطعام . لكنه فى الفراش , عندما يبرز الغول , ويلقى فوق دمائها بسطل من الماء البارد . يعود طفلا يلهو بفرشاة . يسمو فوق نزقها وحيرتها 
.
....................

     حلقة الأجساد, والأيدى القوية ككلابات , تلصق الظهر بالأريكة . الأصابع الغليظة تكشف العورة , وتباعد بين الفخذين . تتحرك الأساور الفضية نزولا , فتسكب نارا . ترتفع , فتلقى مزيدا من شواظ النار . يخور الصوت , وتخور الساق , ويخور الساعد , وترتخى الكلابات . ولا يبقى الا النار , ورائحة الكحول , وتغيب الوجوه فى الضباب .
....................


     يقتلها الفزع من كلمة لم تبرح شفتاه , لا تدرى متى يقولها , يمزق بها غلالة الكبرياء . تجوس أصابعه تصنع ايقاعات لم يأت بها ساحر , تتشربها كل خلية من خلاياها . روح جارفة تشملها من كل الأنحاء , فتحلق لثوان حول تخوم الدهشة . تشرق عيناه للحظة , ثم تعتم من جديد بازاء النظرة الجامدة النزقة .  لو تستطيع
تلك اليد الميتة ان تمتد اليه , تضمه اليها , وتنظر فى عينيه و تبادله نظرة فهم وعرفان .. ويذوب الجليد ..
لو تستطيع .

هناك تعليق واحد:

Unknown يقول...

ترفع الأساور الفضية تخنق بها ساعدها اللحيم , فتكف عن الصلصلة
:)

دي تنشر لأول مره؟؟